منذ مطلع عام 2026، تحوّلت الأزمة بين واشنطن وطهران من مواجهة دبلوماسية متذبذبة إلى صراع مفتوح شمل عملاً عسكرياً مباشراً، في أكبر حشد أمريكي بمنطقة الشرق الأوسط منذ غزو العراق عام 2003. ورغم أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يعلن رسمياً عن "خطة" واحدة موحّدة للتخلص من النظام السياسي في إيران، إلا أن تصريحاته وتحركات إدارته تكشف عن مقاربة متعددة المسارات تجمع بين الضغط الاقتصادي، والقوة العسكرية، ودعم المعارضة الداخلية، مع انفتاح متقطع على التفاوض كلما اقتربت الأمور من نقطة اللاعودة.
يشكّل الخنق الاقتصادي العمود الفقري للاستراتيجية الأمريكية. فرضت الإدارة سلسلة عقوبات مشددة على الشبكات المالية الإيرانية، إلى جانب حصار بحري يستهدف تعطيل صادرات النفط، وهو مصدر الدخل الرئيسي للنظام. وزير الخزانة الأمريكي أعلن نية الاستمرار في ملاحقة القنوات المالية التي تعتمد عليها طهران للالتفاف على العقوبات. وقد وثّق ترامب هذا النجاح المزعوم بنشره على منصته الخاصة رسماً بيانياً يُظهر انهيار سعر صرف الريال الإيراني، من نحو 900 ألف ريال مقابل الدولار مطلع 2025 إلى ما يقارب 1.9 مليون ريال بحلول يوليو 2026، معتبراً ذلك دليلاً على أن "التضخم الجامح" بدأ يفتك بالاقتصاد الإيراني ويُضعف قبضة النظام من الداخل.
على المستوى العسكري، شهد أواخر فبراير 2026 بدء عمليات قتالية مباشرة بعد أشهر من الحشد، شملت ضربات جوية وعمليات خاصة استهدفت قيادات عسكرية وأمنية إيرانية بارزة. الأهداف المعلنة لهذا الحشد، بحسب توثيقات متعددة، لم تقتصر على منع تطوير أسلحة الدمار الشامل، بل شملت صراحة "تغيير النظام" كهدف استراتيجي. وقد صرّح ترامب في مناسبات عدة بأن الولايات المتحدة "حققت تغيير النظام" فعلياً، مستنداً إلى حجم الخسائر البشرية في صفوف القيادة الإيرانية. غير أن محللين وخبراء في مراكز أبحاث أمريكية بارزة اعتبروا هذا التوصيف غير دقيق، إذ إن اغتيال قادة بعينهم لا يعادل تفكيك بنية الحكم القائمة أو استبدالها، بل هو خطوة جزئية ضمن مسار أطول وأكثر تعقيداً.
بدلاً من التلويح بغزو بري تقليدي، تبنّت الإدارة الأمريكية بالتنسيق مع إسرائيل مقاربة قائمة على "قطع الرأس" ثم تحفيز الشارع الإيراني على الانتفاض. جرى الحديث عن خطط لتفعيل شخصيات معارضة معروفة، أبرزها رضا بهلوي نجل الشاه السابق، لتوجيه أي حراك شعبي محتمل عقب ضربات تُضعف الأجهزة الأمنية والعسكرية للنظام. هذا التوجه يعكس إدراكاً أمريكياً بأن التغيير الفعلي للنظام يحتاج غطاءً داخلياً إيرانياً، لا مجرد ضربات خارجية.
من أبرز سمات هذا الملف هو التناقض الملحوظ في لهجة ترامب. ففي مارس 2026 وصف ما جرى بـ"الاستسلام غير المشروط"، ثم أعلن الاتفاق التهدئة "منتهياً" بعد أسابيع قليلة إثر هجمات إيرانية على سفن في مضيق هرمز. وفي الوقت ذاته، وقّع الجانبان في يونيو 2026 مذكرة تفاهم أولية برعاية باكستانية، تناولت مستقبل إدارة الملاحة في مضيق هرمز، ما يعكس مساراً تفاوضياً موازياً لم ينقطع تماماً رغم التصعيد.
في الأول من أغسطس 2026، أعلنت واشنطن عزمها شن ضربات جديدة "خلال عطلة نهاية الأسبوع"، قبل أن يعلن ترامب، يوم 2 أغسطس، تعليق هذه الضربات بذريعة "تقدم ملموس" في المفاوضات، وسط تقارير عن دور سعودي في الدفع نحو التهدئة عبر ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. لكن الإعلام الرسمي الإيراني لم يُشر إلى أي طلب من طهران بوقف الضربات أو تغيّر في موقفها بشأن مضيق هرمز، ما يبقي الباب مفتوحاً أمام تجدد التصعيد في أي لحظة.
لا تملك إدارة ترامب حتى الآن "خطة" واحدة معلنة وثابتة للإطاحة بالنظام الإيراني، بل مزيجاً متغيراً من أدوات الضغط الأقصى: الخنق الاقتصادي، الضربات العسكرية المحدودة، تحفيز المعارضة الداخلية، مع نافذة تفاوضية تُفتح وتُغلق بحسب الظروف الميدانية والسياسية. والهدف المعلن رسمياً — تغيير النظام — لم يتحقق بعد وفق تقييم خبراء مستقلين، رغم أن تصريحات ترامب المتكررة تصوّره كأمر واقع. هذا التذبذب بين الحسم والانفتاح يعكس على الأرجح محاولة لإبقاء الضغط النفسي على طهران من جهة، وتجنّب الانزلاق نحو حرب شاملة طويلة الأمد من جهة أخرى.